جلال الدين السيوطي
103
التحبير في علم التفسير
كانا منفيّين ، وإن كان أحدهما أمرا والآخر نهيا قيّد المطلق بضدّ الصّفة ، وإن اختلف السّبب فمذهب الشّافعيّ الحمل عليه قياسا كما في قوله تعالى في كفّارة القتل : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [ ( 4 ) النساء : 92 ] ، وفي كفّارة الظّهار : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [ ( 58 ) المجادلة : 3 ] ، وإن اتّحد الموجب واختلف الحكم حمل عليه أيضا كما في قوله تعالى في آية الوضوء : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ [ ( 5 ) المائدة : 6 ] وفي آية التّيمّم : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ [ ( 5 ) المائدة : 6 ] . وأما المقيّد في موضعين بمتنافيين وفد أطلق في موضع وليس أولى بأحدهما من الآخر . فلا يحمل على شيء منهما كقوله تعالى في قضاء أيام رمضان : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [ ( 2 ) البقرة : 185 ] ، وفي كفّارة الظّهار : فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ [ ( 58 ) المجادلة : 4 ] وفي صوم التّمتّع : فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ [ ( 2 ) البقرة : 196 ] فأوجب التتابع في الثّاني ، والتّفريق في الثالث وليس الأول أولى بأحدهما من الآخر فلا يجب فيه تتابع ولا تفريق . وقد يكون الكتاب مقيّدا للسّنّة المطلقة ، والسّنّة مقيّدة للكتاب المطلق كالتخصيص . النّوع الثّاني والسّتّون والثّالث والسّتون : النّاسخ والمنسوخ هذان النّوعان مهمان وللنّاس فيهما مصنّفات جمّة ، وذلك على ثلاثة أقسام : الأوّل : ما نسخ حكمه دون رسمه وهو أضرب : أحدها : ما نسخه كتاب كقوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ . . . فإنه منسوخ بقوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [ ( 2 ) البقرة : 234 ] ، وكقوله تعالى : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [ ( 8 ) الأنفال : 65 ] الآية ، نسخ بقوله : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [ ( 8 ) الأنفال : 66 ] الآية . وكقوله تعالى : وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ . . . إلى قوله : فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ [ ( 4 ) النساء : 15 ] نسخ بقوله تعالى : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [ ( 24 ) النور : 2 ] . وهنا فوائد : الأولى : كلّ ما في القرآن من الصّفح عن الكفّار والتّولّي والإعراض والكفّ عنهم فهو منسوخ بآية السّيف ، قال بعضهم وهي : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ